عبد السلام مقبل المجيدي
102
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
وفي عصرنا يمكن للإنسان أن يسمع إنسانا ، ويرى آخر عن طريق الهاتف المرئي دون أن يشترك معه غيره من المحيطين به في زمان التكلم والرؤية إذا توافر الجهاز المرسل عند من يتكلم ، والمستقبل عند من يسمع . . . وهكذا نقرر بأن اللّه - تعالى ذكره - قد هيأ القدرة لجبريل عليه السلام للاتصال برسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وهيأ الرسول صلى اللّه عليه وسلم بمستقبلات لما يوحى إليه تدرك آثارها ، ولا ترى حقيقتها وكيفيتها . ورابعها : أن المقتضى المنهجي لهذه الشدة التي يعانيها الرسول صلى اللّه عليه وسلم عند إنزال الوحي القرآني : أن يستشعر ذلك من يحفظ ألفاظ القرآن ، ويحفّظها ، ولا يتعامل مع لفظ القرآن بتساهل يذهب بركة القرآن . . . فإن اعترض بأنه : قد ورد ما يدل على يسر الوحي ، وسهولة تأتيه ففي رواية الطبراني لحديث الحارث بن هشام : ( ويأتيني أحيانا في صورة رجل يكلمني كلاما ، وهو أهون علي ) الحديث « 1 » فهذا يدل على أن ثم هينا في الوحي وأهون منه ، فالجواب : يوضح أمر هذه الرواية الروايات الأخرى ، وذلك أولى من العكس ، لطبيعة الشدة المصاحبة للوحي بالنسبة لمن وصفوا بأنهم عند اللّه عزّ وجل فضلا عمن سواهم . . . فقد أراد بقوله : ( أهونه ) ، الأمر النسبي أي بالنسبة إلى الهيئة الأخرى من الوحي ، قال ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - : " يفهم منه أن الوحي كله شديد ، ولكن هذه الصفة أشدها " « 2 » . ولذا فإن الهيئة الأخرى - وهو المجيء في صورة رجل - ليست خاصة الأنبياء بل يشترك فيها غيرهم ، وقد كلمت الملائكة مريم بنت عمران ، وليست بنبية عند الجمهور « 3 » ، كما كلم الملك هاجر أم إسماعيل : فقد قال ابن عباس رضى اللّه عنه : ( فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال - بجناحه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه ، وتقول
--> ( 1 ) المعجم الكبير 1 / 345 ، مرجع سابق . ( 2 ) فتح الباري 8 / 567 ، مرجع سابق . ( 3 ) انظر : تفسير القرطبي 4 / 41 ، مرجع سابق .