عبد السلام مقبل المجيدي

103

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

بيدها هكذا . . . فقال لها الملك : لا تخافوا الضيعة ؛ فإن هاهنا بيت اللّه ، يبني هذا الغلام وأبوه ، وإن اللّه لا يضيع أهله . . . ) « 1 » . وهل يتنافى هذا مع كون القرآن ميسرا للذكر كما في قوله عزّ وجل وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ " القمر / 17 " ؟ لا ؛ لوجوه : أولها : أن الحديث آت عن كيفية إيصاله من الملأ الأعلى إلى الأرض لا ما بعد ذلك ، إذ قد يقال يسر عند انتقاله من بشر إلى بشر ، على أن التيسير المذكور في الآية ينصرف إلى المعنى قبل اللفظ ، بدليل ذكر علة التيسير ( للذكر ) . وثانيها : قد ينازع في الأول ، فالثاني واضح وهو : أن أعظم الكلام قد صيغ بأيسر الأساليب المفهومة ، وإذا قورن بما ورد في معلقة امرئ القيس علم مقدار تيسيره ، مع أنه لا يستطاع مثله فذا وجه ثان في توجيه الآية . وثالثها : أن ما ذكر من المقتضى المنهجي قد صرّح فيه أن مراده استشعار ثقل القول ، لا أنه عند حفظه ثقيل ، ويدل له أنه لا يعرف كتاب سماوي ، ولا أرضي تيسر حفظه كالقرآن ، بل المقارنة هنا لا تتم لشدة البون بين المقارن بينهما « 2 » ، وهو قوله سبحانه وتعالى فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " الدخان / 58 " . على أنه ينبغي تقرير أن وصف اللّه سبحانه وتعالى لكلامه بأنه ( قول ثقيل ) مع أنه كلام ، وكلامه - تعالى ذكره ، وجلّ عن التشبيه والتمثيل - عندما ييسره للمخلوق لينقله بلسانه مع أن المعروف أنه يكون عبارة عن اهتزازات هوائية فلا يكون قولا ثقيلا إلا لأنه قول آخر غير قول البشر ، ويلقى بطريقة خاصة حتى تكاد فخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ترضّ رجل كاتب الوحي ، وتضع الناقة له جرانها ، ويتفصد له جبين الرسول صلى اللّه عليه وسلم عرقا ، فالثقل المراد قد يكون في العملية التلقينية الأولى بين

--> ( 1 ) صحيح البخاري 3 / 1227 ، مرجع سابق ، وقد صرح برفعه في أثناء الحديث . ( 2 ) وانظر في معنى الآية : روح المعاني 27 / 129 ، مرجع سابق ، والتحرير والتنوير 27 / 179 ، مرجع سابق .