ابن كثير
91
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ اللين نوع من التمر وهو جيد قال أبو عبيدة : وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر ، وقال كثيرون من المفسرين : اللينة ألوان التمر سوى العجوة . قال ابن جرير « 1 » : هو جميع النخل ونقله عن مجاهد وهو البويرة « 2 » أيضا ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابا وإرعابا لقلوبهم ، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا : فبعث بنو النضير يقولون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنك تنهى عن الفساد فما بالك تأمر بقطع الأشجار ؟ فأنزل اللّه هذه الآية الكريمة أي ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ومشيئته وقدرته ورضاه وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم ، وإرغام لأنوفهم . وقال مجاهد : نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين ، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم ، وإنما قطعه وتركه بإذنه ، وقد روي نحو هذا مرفوعا ، فقال النسائي : أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان ، حدثنا حفص بن غياث ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ قال : يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل فحاك في صدورهم ، فقال المسلمون : قطعنا بعضا وتركنا بعضا فلنسألن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر ؟ فأنزل اللّه ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر وعن أبي الزبير عن جابر ، قال : رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم ، فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا يا رسول اللّه علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا ، فأنزل اللّه عز وجل ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عبد الرّحمن ، حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قطع نخل بني النضير وحرق ، وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة بنحوه ، ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، قال : حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة ، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأمنهم وأسلموا وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع ، وهم رهط
--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 32 . ( 2 ) البويرة : موضع . ( 3 ) المسند 2 / 7 ، 8 .