ابن كثير

9

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا زياد أبو عمر عن الحسن عن عمار بن ياسر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره » فهذا الحديث ، بعد الحكم بصحة إسناده ، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم ، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها ، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني ، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد ، فإنه لو لاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال عليه السلام « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة » وفي لفظ « حتى يأتي أمر اللّه تعالى وهم كذلك » « 2 » والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم ، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها ، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ « مع كل ألف سبعون ألفا - وفي آخر - مع كل واحد سبعون ألفا « 3 » . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا هشام بن يزيد الطبراني ، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة عن شريح هو ابن عبيد ، عن أبي مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض ، تقول الملائكة لما جاء مع محمد صلى اللّه عليه وسلم أكثر مما جاء مع الأنبياء عليهم السلام » . وحسن أن يذكر هاهنا عند قوله تعالى : ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال : أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي ، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبد اللّه بن مسرح الحراني ، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني عن مسلمة بن عبد اللّه الجهني ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي ابن زمل الجهني رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه « سبحان اللّه وبحمده أستغفر اللّه إن اللّه كان توابا » سبعين مرة ثم يقول : « سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة » ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعجبه الرؤيا ثم يقول « هل رأى أحد منكم شيئا ؟ » قال ابن زمل :

--> ( 1 ) المسند 4 / 319 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 10 ، ومسلم في الإيمان حديث 247 . ( 3 ) أخرجه البخاري في اللباس باب 18 ، ومسلم في الإيمان حديث 369 ، 370 ، 373 .