ابن كثير
10
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فقلت أنا يا رسول اللّه ، فقال « خير تلقاه ، وشر توقاه ، وخير لنا ، وشر على أعدائنا الحمد للّه رب العالمين أقصص رؤياك » فقلت : رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لا حب « 1 » والناس على الجادة « 2 » منطلقين ، فبينما هم كذلك إذ أشفى « 3 » ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله ، يرف رفيفا يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ ، قال وكأني بالرعلة « 4 » الأولى حين أشفوا على المرج كبروا ثم أكبّوا « 5 » رواحلهم في الطريق ، فلم يظلموه « 6 » يمينا ولا شمالا ، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين ، ثم جاءت الرعلة الثانية ، وهم أكثر منهم أضعافا فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق ، فمنهم المرتع « 7 » ومنهم الآخذ الضغث « 8 » ، ومضوا على ذلك ، قال ثم قدم عظم الناس « 9 » ، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا هذا خير المنزل ، كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا ، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج ، فإذا أنا بك يا رسول اللّه على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة ، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل « 10 » أقنى « 11 » إذا هو تكلم يسمو فيفرع « 12 » الرجال طولا ، وإذا عن يسارك رجل ربعة باذ « 13 » كثير خيلان الوجه « 14 » ، كأنما حمّم شعره بالماء « 15 » إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له ، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها كلكم تأمونه تريدونه وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف « 16 » ، وإذا أنت يا رسول اللّه كأنك تبعثها . قال : فامتقع لون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساعة ثم سري عنه ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب ، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه ، وأما المرج الذي
--> ( 1 ) لاحب : واسع لا ينقطع . ( 2 ) الجادة : وسط الطريق . ( 3 ) أشفى : أي أشرف . ( 4 ) الرعلة : القطعة من الفرسان . ( 5 ) أكبّوا رواحلهم في الطريق : أي ألزموها الطريق . ( 6 ) لم يظلموه : أي لم يعدلوا عنه . ( 7 ) المرتع : هو الذي يخلي ركابه ترتع . ( 8 ) الضغث : ملء اليد من الحشيش المختلط . ( 9 ) عظم الناس : معظمهم . ( 10 ) الشثل : الغليظ الأصابع خشنها . ( 11 ) الأقنى : ارتفاع في أعلى الأنف واحديداب في وسطه . ( 12 ) يفرع الرجال طولا : أي يعلوهم . ( 13 ) يقال : باذ الهيئة : أي رث الهيئة ، وهي صفة للتواضع . ( 14 ) كثير خيلان الوجه الخال : الشامة في الوجه . ( 15 ) حمّم شعر بالماء : أي سوّد ، لأن الشعر إذا غسل بالماء ظهر سواده . ( 16 ) الشارف : الناقة المسنة .