ابن كثير

77

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به . وقال الشافعي : أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال : قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا » على شرط السنن ولم يخرجوه وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الملك بن عمرو ، حدثنا فليح عن أيوب بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح اللّه لكم » ورواه أيضا عن سريج بن يونس ويونس بن محمد المؤدب عن فليح به ولفظه : « لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه ولكن افسحوا يفسح اللّه لكم » تفرد به أحمد « 2 » . وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال : فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث « قوموا إلى سيدكم » « 3 » ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث « من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار » « 4 » ومنهم من فصل فقال يجوز عند القدوم من سفر وللحاكم في محل ولايته ، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ ، فإنه لما استقدمه النبي حاكما في بني قريظة فرآه مقبلا قال للمسلمين « قوموا إلى سيدكم » وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه واللّه أعلم . فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار العجم ، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك . وفي الحديث المروي في السنن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يجلس حيث انتهى به المجلس ، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس فكان الصحابة رضي اللّه عنهم يجلسون منه على مراتبهم ، فالصديق رضي اللّه عنه يجلسه عن يمينه وعمر عن يساره ، وبين يديه غالبا عثمان وعلي لأنهما كانا ممن يكتب الوحي ، وكان يأمرهما بذلك كما رواه مسلم من حديث الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : « ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ، ثم الذي يلونهم » « 5 » وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات اللّه وسلامه عليه ، ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر ، إما لتقصير أولئك في حق البدريين أو ليأخذ البدريون من العلم نصيبهم ، كما أخذ أولئك قبلهم أو

--> ( 1 ) المسند 2 / 523 . ( 2 ) المسند 2 / 338 ، 438 . ( 3 ) أخرجه البخاري في العتق باب 17 ، والاستئذان باب 26 ، وأبو داود في الأدب باب 144 ، وأحمد في المسند 3 / 22 ، 71 ، 6 / 142 . ( 4 ) أخرجه الترمذي في الأدب باب 13 ، ولفظه : « من سرّه أن يتمثل له الرجال قياما » . ( 5 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 122 ، 123 ، وأبو داود في الصلاة باب 95 ، والترمذي في المواقيت باب 54 ، والنسائي في الإمامة باب 23 ، 26 ، وابن ماجة في الإقامة باب 45 ، والدارمي في الصلاة باب 51 ، وأحمد في المسند 1 / 457 .