ابن كثير
294
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
المقبري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان : راية بيد ملك وراية بيد شيطان ، فإن خرج لما يحب اللّه اتبعه الملك برايته ، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته ، وإن خرج لما يسخط اللّه اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته » . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 4 إلى 12 ] إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه به من السلاسل والأغلال والسعير ، وهو اللهب والحريق في نار جهنم كما قال تعالى : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [ غافر : 71 - 72 ] ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة . قال الحسن : برد الكافور في طيب الزنجبيل ولهذا قال : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللّه صرفا بلا مزج ويروون بها ، ولهذا ضمن يشرب معنى يروى حتى عداه بالباء ونصب عينا على التمييز ، قال بعضهم : هذا الشراب في طيبه كالكافور ، وقال بعضهم : هو من عين كافور ، وقال بعضهم : يجوز أن يكون منصوبا بيشرب حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير « 1 » . وقوله تعالى : يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً أي يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم ، والتفجير هو الإنباع كما قال تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] وقال وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً [ الكهف : 33 ] . وقال مجاهد : يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً يقودونها حيث شاؤوا وكذا قال عكرمة وقتادة ، وقال الثوري يصرفونها حيث شاؤوا ، وقوله تعالى : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي يتعبدون للّه فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر . قال الإمام مالك عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم بن مالك عن عائشة رضي اللّه
--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 357 ، 358 .