ابن كثير

295

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه » « 1 » رواه البخاري من حديث مالك . ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي شره مستطير أي منتشر عام على الناس إلا من رحم اللّه ، قال ابن عباس : فاشيا ، وقال قتادة : استطار واللّه شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض ، وقال ابن جرير « 2 » : ومنه قولهم : استطار الصدع في الزجاجة واستطال ، ومنه قول الأعشى : [ المتقارب ] فبانت وقد أسأرت في الفؤاد * صدعا على نأيها مستطيرا « 3 » يعني ممتدا فاشيا . وقوله تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ قيل على حب اللّه تعالى ، وجعلوا الضمير عائدا إلى اللّه عز وجل لدلالة السياق عليه ، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له ، قاله مجاهد ومقاتل واختاره ابن جرير كقوله تعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ وكقوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ البقرة : 177 ] . وروى البيهقي من طريق الأعمش عن نافع قال : مرض ابن عمر فاشتهى عنبا أول ما جاء العنب فأرسلت صفية ، يعني امرأته ، فاشترت عنقودا بدرهم فاتبع الرسول سائل فلما دخل به قال السائل : السائل . فقال ابن عمر : أعطوه إياه فأعطوه إياه ، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودا فاتبع الرسول السائل ، فلما دخل قال السائل : فقال ابن عمر : أعطوه إياه فأعطوه إياه ، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت واللّه إن عدت لا تصيب منه خيرا أبدا ، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به . وفي الصحيح « أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر » « 4 » أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ، ولهذا قال تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما ، وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك : الأسير من أهل القبلة ، وقال ابن عباس : كان أسراؤهم يومئذ مشركين ، ويشهد لهذا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى ، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء ، وقال عكرمة : هم العبيد ، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك ، وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان باب 28 ، ومالك في النذور حديث 8 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 359 . ( 3 ) يروى البيت : فبانت وقد أورثت في الفؤاد * صدعا يخالط عثارها وهو في ديوان الأعشى ص 367 ، وتهذيب اللغة 2 / 326 ، وتاج العروس ( عثر ) ، ولسان العرب ( عثر ) ، وتفسير الطبري 12 / 359 ، والبيت بلا نسبة في مجمل اللغة 3 / 444 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 92 .