ابن كثير
112
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يا حاطب ما هذا ؟ » قال : لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم ، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ، أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنه صدقكم » . فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل اللّه اطلع إلى أهل بدر ، فقال : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » « 1 » وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة من غير وجه عن سفيان بن عيينة به ، وزاد البخاري في كتاب المغازي : فأنزل اللّه السورة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ وقال في كتاب التفسير : قال عمرو ونزلت فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ وقال لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو . قال البخاري قال علي يعني ابن المديني قيل لسفيان في هذا نزلت لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ فقال سفيان : هذا في حديث الناس حفظته من عمرو ، ما تركت منه حرفا ولا أدري أحدا حفظه غيري . وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرّحمن عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي قال : بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس ، وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين ، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلنا : الكتاب ؟ فقالت : ما معي كتاب ، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا ، فقلنا ما كذب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته ، فانطلقنا بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر : يا رسول اللّه قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حملك على ما صنعت ؟ » قال حاطب : واللّه ما بي إلا أن أكون مؤمنا باللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع اللّه بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هنالك من عشيرته من يدفع اللّه به عن أهله وماله ، فقال : « صدق لا تقولوا له إلا خيرا » . فقال عمر : إنه قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه ، فقال : « أليس من أهل بدر ؟ - فقال - لعل اللّه قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو قد غفرت لكم - » فدمعت عينا عمر وقال : اللّه ورسوله أعلم ، هذا لفظ البخاري في المغازي في غزوة بدر ، وقد روي من وجه آخر عن علي قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 9 ، 46 ، وتفسير سورة 60 ، باب 1 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 161 ، وأبو داود في الجهاد باب 98 ، والترمذي في تفسير سورة 60 ، باب 1 ، والدارمي في الرقاق باب 48 .