ابن كثير
430
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إبراهيم عن همام بن الحارث قال : جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال : فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول : أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب « 1 » . ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 33 إلى 41 ] أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ( 34 ) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) يقول تعالى ذاما لمن تولى عن طاعة اللّه : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ القيامة : 31 ] وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى [ القيامة : 32 ] قال ابن عباس : أطاع قليلا ثم قطعه « 2 » ، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد . قال عكرمة وسعيد : كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرا ، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل فيقولون أكدينا ويتركون العمل . وقوله تعالى : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى أي أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق وقطع معروفه ، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده حتى قد أمسك عن معروفه فهو يرى ذلك عيانا ؟ أي ليس الأمر كذلك . وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا ، ولهذا جاء في الحديث « أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا » وقد قال اللّه تعالى وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبأ : 39 ] وقوله تعالى : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال سعيد بن جبير والثوري : أي بلغ جميع ما أمر به ، وقال ابن عباس وَفَّى للّه بالبلاغ ، وقال سعيد بن جبير وَفَّى ما أمر به ، وقال قتادة وَفَّى طاعة اللّه وأدى رسالته إلى خلقه وهذا القول هو اختيار ابن جرير ، وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] فقام بجميع الأوامر وترك جميع النواهي وبلغ الرسالة على التمام والكمال ، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله . قال اللّه تعالى : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 123 ] . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 68 ، 69 ، وأبو داود في الأدب باب 9 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 531 .