ابن كثير

431

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هذه الآية وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال « أتدري ما وفى ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال « وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار » ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف . وقال الترمذي في جامعه : حدثنا أبو جعفر السمناني ، حدثنا أبو مسهر ، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه عز وجل أنه قال : « ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره » « 1 » قال ابن أبي حاتم رحمه اللّه : حدثنا أبي ، حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ألا أخبركم لم سمى اللّه تعالى إبراهيم خليله الذي وفى ؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حتى ختم الآية . ورواه ابن جرير « 2 » عن أبي كريب عن رشدين بن سعد عن زبان به . ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [ فاطر : 18 ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى أي كما لا يحمل عليه وزر غيره ، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه ، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه اللّه ومن اتبعه ، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى ، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء ، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما . وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : من ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية من بعده ، أو علم ينتفع به » « 3 » فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله ، كما جاء في الحديث « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه » « 4 » والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الوتر باب 15 ، وأحمد في المسند 5 / 286 ، 287 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 533 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الوصية حديث 14 ، وأبو داود في الوصايا باب 14 ، والترمذي في الأحكام باب 36 ، والنسائي في الوصايا باب 8 ، وأحمد في المسند 2 / 372 . ( 4 ) أخرجه النسائي في البيوع باب 1 ، وابن ماجة في التجارات باب 1 ، والدارمي في البيوع باب 6 ، وأحمد في المسند 6 / 31 ، 42 ، 126 ، 127 ، 193 ، 220 .