ابن كثير

360

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يريد سبه حبسه اللّه تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال » « 1 » وكذا رواه أبو داود من حديث عبد اللّه وهو ابن المبارك به بنحوه . وقال أبو داود أيضا : حدثنا إسحاق بن الصباح ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا الليث ، حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول : سمعت جابر بن عبد اللّه وأبا طلحة بن سهل الأنصاري رضي اللّه عنهما يقولان قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه ، إلا خذله اللّه تعالى في مواطن يحب فيها نصرته ، وما من امرئ ينصر امرءا مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره عز وجل في مواطن يحب فيها نصرته » تفرد به أبو داود « 2 » . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) يقول تعالى مخبرا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ، وهما آدم وحواء ، وجعلهم شعوبا وهي أعم من القبائل ، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك ، وقيل : المراد بالشعوب بطون العجم ، وبالقبائل بطون العرب ، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل ، وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب الإنباه لأبي عمر بن عبد البر ، ومن كتاب ( القصد والأمم في معرفة أنساب العرب والعجم ) فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء ، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة اللّه تعالى ومتابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا ، منبها على تساويهم في البشرية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته ، وقال مجاهد في قوله عز وجل لِتَعارَفُوا كما يقال فلان بن فلان من كذا وكذا أي من قبيلة كذا وكذا ، وقال سفيان الثوري : كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها ، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها . وقد قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا عبد اللّه بن المبارك عن عبد الملك بن عيسى الثقفي ، عن يزيد مولى المنبعث عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر » « 3 » ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 36 . ( 2 ) كتاب الأدب باب 36 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في البر باب 49 .