ابن كثير
344
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تبارك وتعالى : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ كما قال تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النور : 63 ] . وقوله عز وجل : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده ، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب اللّه تعالى لغضبه ، فيحبط اللّه عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض » « 1 » ثم ندب اللّه تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك ، وأرشد إليه ، ورغب فيه فقال : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ . وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال : كتب إلى عمر : يا أمير المؤمنين ، رجل لا يشتهي المعصية ، ولا يعمل بها أفضل ، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها فكتب عمر رضي اللّه عنه : إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 4 إلى 5 ] إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 4 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) ثم إنه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه ، كما يصنع أجلاف الأعراب فقال : أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال عز وجل : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة . ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي اللّه عنه فيما أورده غير واحد . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس رضي اللّه عنه ، أنه نادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من وراء الحجرات فقال : يا محمد يا محمد ، وفي رواية : يا رسول اللّه ، فلم يجبه فقال : يا رسول اللّه إن حمدي لزين ، وإن ذمي لشين ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ذاك اللّه عز وجل » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 23 ، والترمذي في الزهد باب 12 ، وابن ماجة في الفتن باب 12 ، وما لك في الكلام حديث 5 ، وأحمد في المسند 3 / 469 . ( 2 ) المسند 3 / 488 ، 6 / 394 .