ابن كثير
329
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال صلى اللّه عليه وسلم : « إني رسول اللّه ولست أعصيه وهو ناصري » قلت : أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ » . قلت : لا . قال صلى اللّه عليه وسلم : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي اللّه حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل إنه رسول اللّه وليس يعصي ربه ، وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، فو اللّه إنه على الحق . قلت : أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال بلى ، قال : أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك تأتيه وتطوف به . قال الزهري قال عمر رضي اللّه عنه : فعملت لذلك أعمالا . قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : « قوموا فانحروا ثم احلقوا » قال : فو اللّه ما قام منهم رجل حتى قال صلى اللّه عليه وسلم ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل صلى اللّه عليه وسلم على أم سلمة رضي اللّه عنها ، فذكر لها ما لقي من الناس ، قالت له أم سلمة رضي اللّه عنها : يا نبي اللّه أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللّه عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ - حتى بلغ - بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ الممتحنة : 10 ] فطلق عمر رضي اللّه عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى صفوان بن أمية . ثم رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : واللّه إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا ، فاستله الآخر فقال : أجل واللّه إنه لجيد ، لقد جربت منه ثم جربت . فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين رآه « لقد رأى هذا ذعرا » فلما انتهى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : قتل واللّه صاحبي وإني لمقتول . فجاء أبو بصير فقال : يا رسول اللّه قد واللّه أوفى اللّه ذمتك ، قد رددتني إليهم ثم نجاني اللّه تعالى منهم . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد » . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة ، فو اللّه ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم . فأرسلت قريش إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تناشده اللّه والرحم لما أرسل إليهم : « فمن أتاه منهم فهو آمن » فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم إليهم وأنزل اللّه عز وجل : وَهُوَ الَّذِي