ابن كثير
325
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ، قال : ويدني قائم السيف منه ، قال يقول : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه . قال : فضن الرجل بأبيه ، قال ونفذت القضية ، فلما فرغا من الكتاب ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل ، قال : فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أيها الناس انحروا واحلقوا » قال : فما قام أحد ، قال ثم عاد صلى اللّه عليه وسلم بمثلها ، فما قام رجل ، حتى عاد صلى اللّه عليه وسلم بمثلها فما قام رجل ، فرجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدخل على أم سلمة رضي اللّه عنها فقال « يا أم سلمة ما شأن الناس ؟ » قالت : يا رسول اللّه قد دخلهم ما رأيت ، فلا تكلمن منهم إنسانا واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق ، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى إذا أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق ، قال : فقام الناس ينحرون ويحلقون ، قال حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح . هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه ، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق « 1 » بنحوه وفيه إغراب . وقد رواه أيضا عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به نحوه ، وخالفه في أشياء ، وقد رواه البخاري « 2 » رحمه اللّه في صحيحه فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيدة ، فقال في كتاب الشروط من صحيحه : حدثنا عبد اللّه بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه . فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره « 3 » وأحرم منها بعمرة ، وبعث عينا له من خزاعة وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط « 4 » أتاه عينه فقال : إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أشيروا أيها الناس علي ، أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت ؟ » وفي لفظ : « أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم ، فإن يأتونا كان اللّه قد قطع عنقا من المشركين ، وإلا تركناهم محزونين » ، وفي لفظ « فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 2 / 316 ، 319 . ( 2 ) كتاب المغازي باب 35 . ( 3 ) إشعار الهدي : أن يشق أحد جانبي سنام البدنة حتى يسيل دمها ، ويجعل ذلك علامة يعرف بها بأنها هدي ، وتقليد الهدي : أن يجعل في عنقها ما يعلم به أنها هدي . ( 4 ) غدير الأشطاط : موضع قريب من عسفان .