ابن كثير
326
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
محروبين « 1 » ، وإن نجوا يكن عنقا قطعها اللّه عز وجل . أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه » . فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربا ، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه ، وفي لفظ : فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : اللّه ورسوله علم إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فروحوا إذن » وفي لفظ « فامضوا على اسم اللّه تعالى » حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فو اللّه ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش « 2 » فانطلق يركض نذيرا لقريش . وسار النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل « 3 » فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء « 4 » خلأت القصواء . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه تعالى إلا أعطيتهم إياها » . ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد « 5 » قليل الماء يتبرضه « 6 » الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس حتى نزحوه ، وشكي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العطش ، فانتزع صلى اللّه عليه وسلم من كنانته سهما ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو اللّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه . فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة ، وكانوا عيبة نصح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إننا لم نجيء لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب ، فأضرت بهم ، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا « 7 » ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن اللّه أمره » . قال بديل : سأبلغهم ما تقول . فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، فقال
--> ( 1 ) محروبين : أي مسلوبين منهوبين . ( 2 ) قترة الجيش : غبرته . ( 3 ) حل حل : لفظة زجر للإبل . ( 4 ) خلأت القصواء : أي امتنعت عن صاحبها . ( 5 ) الثمد : الماء القلل . تبرّص الماء القليل . ( 6 ) تبرّض الماء : أخذه قليلا قليلا . ( 7 ) جمّوا : أي استراحوا من جهد الحرب .