ابن كثير

297

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

93 ] ولهذا قال هاهنا : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 29 إلى 31 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) يقول تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ أي أيعتقد المنافقون أن اللّه لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين ، بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر ، وقد أنزل اللّه تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم ، وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم ، ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة . والأضغان : جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره . وقوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يقول عز وجل ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانا ، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه ، وحملا للأمور على ظاهر السلامة وردا للسرائر إلى عالمها وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه ، وهو المراد من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه وفلتات لسانه . وفي الحديث « ما أسر أحد سريرة إلا كساه اللّه تعالى جلبابها إن خيرا فخير وإن شرا فشر » وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا ، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان عن سلمة عن عياض بن عياض عن أبيه عن أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي اللّه عنه قال : خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبة فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم قال : « إن منكم منافقين فمن سميت فليقم - ثم قال - قم يا فلان ، قم يا فلان قم يا فلان - حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال - إن فيكم أو منكم - منافقين فاتقوا اللّه » قال فمر عمر رضي اللّه عنه برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه فقال : ما لك ؟ فحدثه بما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : بعدا لك سائر اليوم . وقوله عز وجل : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ وليس في تقدم علم اللّه تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب ، فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس رضي اللّه عنهما في مثل هذا : إلا لنعلم أي لنرى .

--> ( 1 ) المسند 5 / 273 .