ابن كثير
298
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 32 إلى 35 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 ) يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل اللّه وخالف الرسول وشاقه ، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر اللّه شيئا ، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها ، وسيحبط اللّه عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير ، بل يحبطه ويمحقه بالكلية كما أن الحسنات يذهبن السيئات . وقد قال الإمام أحمد بن نصر المروزي « 1 » في كتاب الصلاة : حدثنا أبو قدامة ، حدثنا وكيع ، حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع « لا إله إلا اللّه ذنب » كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فخافوا أن يبطل الذنب العمل ، ثم روي من طريق عبد اللّه بن المبارك أخبرني بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : كنا معشر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها . ثم أمر تبارك وتعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال ، ولهذا قال تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ أي بالردة ، ولهذا قال بعدها : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ كقوله سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] الآية . ثم قال جل وعلا لعباده المؤمنين : فَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا عن الأعداء وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم
--> ( 1 ) هو أبو عبد اللّه أحمد بن نصر بن مالك الشهيد المروزي ، كان رأسا في الحديث والفقه والعبادة ، قيل لم يكن للشافعية في وقته مثله ، توفي في المحرم سنة 294 وهو في التسعين من عمره . له ترجمة في الثقات لابن حبان 8 / 14 .