ابن كثير
278
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فقلت : رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة » قلت : فما يغني عنهم ذلك ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم « إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة » وهذا إسناد غريب جدا ولكن فيه رجل مبهم لم يسم ، واللّه تعالى أعلم . وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد : حدثني نمير بن زيد القنبر . حدثنا أبي ، حدثنا قحافة بن ربيعة ، حدثني الزبير بن العوام رضي اللّه عنه قال : صلى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال : « أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟ » فأسكت القوم ثلاثا ، فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها ، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم ، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم ، وهذا حديث غريب ، واللّه أعلم . ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم : حدثنا أبو محمد بن حبان ، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح ، حدثنا يعقوب الدورقي ، حدثنا الوليد بن بكير التيمي ، حدثنا حصين بن عمر ، أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال : خرج نفر من أصحاب عبد اللّه يريدون الحج حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض ، ينفح منه ريح المسك فقلت لأصحابي : امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية . قال : فما لبثت أن ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى . قال : فو اللّه إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن : أيكم دفن عمرا . قلنا : ومن عمرو ، قالت : أيكم دفن الحية ؟ قال فقلت : أنا . قالت : أما واللّه لقد دفنت صواما قواما ، يأمر بما أنزل اللّه تعالى ، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام . قال الرجل : فحمدنا اللّه تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بالمدينة ، فأنبأته بأمر الحية فقال : صدقت سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة » وهذا حديث غريب جدا ، واللّه أعلم . قال أبو نعيم ، وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه ، وروى عبد اللّه بن أحمد والظهراني عن صفوان بن المعطل : هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة وأنهم قالوا إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستمعون القرآن ، وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه ، عن معاذ بن عبيد اللّه بن معمر قال : كنت جالسا عند عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فجاء رجل