ابن كثير

279

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فقال : يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض ، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الاخر ، قال : فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة ، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك ، فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة ، فلففتها في عمامتي ودفنتها ، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد : يا عبد اللّه لقد هديت ، هذان حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا فكان من القتلى ما رأيت ، واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : فقال عثمان لذلك الرجل إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا ، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك . وقوله تبارك وتعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ أي طائفة من الجن يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا أي استمعوا وهذا أدب منهم . وقد قال الحافظ البيهقي : حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد اللّه الدقاق ، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي ، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال : قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال : ما لي أراكم سكوتا ؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * [ الرحمن : 57 ] إلا قالوا : ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب فلك الحمد » . ورواه الترمذي « 1 » في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن الوليد بن مسلم به قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه ، فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير كذا قال . وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله . وقوله عز وجل : فَلَمَّا قُضِيَ أي فرغ كقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ [ الجمعة : 10 ] فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 12 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [ البقرة : 200 ] وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كقوله جل وعلا : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [ التوبة : 122 ] وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل ، ولا شك أن الجن لم يبعث اللّه منهم رسولا لقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [ يوسف : 109 ] . وقال عز وجل : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] . وقال عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ العنكبوت : 27 ] فكل نبي

--> ( 1 ) تفسير سورة 55 باب 1 .