ابن كثير

204

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما من بعير إلا في ذروته شيطان ، فاذكروا اسم اللّه عليها إذا ركبتموها كما آمركم ، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل اللّه عز وجل » أبو لاس اسمه محمد بن الأسود بن خلف . [ حديث آخر ] في معناه - قال أحمد « 1 » : حدثنا عتاب ، أخبرنا عبد اللّه ، وعلي بن إسحاق ، أخبرنا عبد اللّه يعني ابن المبارك ، أخبرنا أسامة بن زيد ، أخبرني محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا اللّه عز وجل ثم لا تقصروا عن حاجاتكم » . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 15 إلى 20 ] وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 20 ) يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها للّه تعالى ، كما ذكر اللّه عز وجل عنهم في سورة الأنعام في قوله تبارك وتعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الأنعام : 136 ] وكذلك جعلوا له في قسمي البنات والبنين أخسهما وأردأهما وهو البنات ، كما قال تعالى : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [ النجم : 21 - 22 ] وقال جل وعلا هاهنا : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ . ثم قال جل وعلا : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار . ثم ذكر تمام الإنكار ، فقال جلت عظمته وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه للّه من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة ، وتعلوه كآبة من سوء ما بشر به ، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك ، يقول تبارك وتعالى : فكيف تأنفون من ذلك وتنسبونه إلى اللّه عز وجل ، ثم قال سبحانه وتعالى : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة وإذا خاصمت فلا عبارة لها ، بل هي عاجزة عيية أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب اللّه العظيم ، فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى ، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص كما قال بعض شعراء العرب :

--> ( 1 ) المسند 3 / 494 .