ابن كثير

121

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ أي قدرتك عظيمة فإنك أحييتنا بعد ما كانا أمواتا ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ أي فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون ، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا ، ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تجحده وتنفيه ، ولهذا قال تعالى : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا أي أنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدار الدنيا كما قال عز وجل : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام : 28 ] . وقوله جل وعلا : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ أي هو الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور فيهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء لا إله إلا هو ، وقوله جل جلاله : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء وَما يَتَذَكَّرُ أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها إِلَّا مَنْ يُنِيبُ أي من هو بصير منيب إلى اللّه تبارك وتعالى . وقوله عز وجل : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ أي فأخلصوا للّه وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد اللّه بن نمير حدثنا هشام يعني ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن مدرس المكي قال : كان عبد اللّه بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا باللّه لا إله إلا اللّه ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، لا إله إلا اللّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة ، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد اللّه بن الزبير قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » « 2 » وذكر تمامه . وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبات : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له

--> ( 1 ) المسند 4 / 4 . ( 2 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 137 ، 138 ، وأبو داود في الوتر باب 24 ، والنسائي في السهو باب 83 .