ابن كثير
91
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عبادتهم ، كما قال تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ [ سبأ : 40 - 41 ] الآية ، وقرأ آخرون ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ أي ما ينبغي لأحد أن يعبدنا فإنا عبيد لك فقراء إليك ، وهي قريبة المعنى من الأولى . وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ أي طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر ، أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك وَكانُوا قَوْماً بُوراً قال ابن عباس : أي هلكى ، وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري : أي لا خير فيهم . وقال ابن الزبعرى حين أسلم [ الخفيف ] : يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور « 1 » إذ أجاري الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مثبور وقال اللّه تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ أي فقد كذبكم الذين عبدتم من دون اللّه فيما زعمتم أنهم لكم أولياء وأنهم يقربونكم إلى اللّه زلفى ، كقوله تعالى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [ الأحقاف : 5 - 6 ] وقوله فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً أي لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أي يشرك باللّه نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 20 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) يقول تعالى مخبرا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين : أنهم كانوا يأكلون الطعام ويحتاجون إلى التغذي به ، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة ، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم ، فإن اللّه تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة ، ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة على صدق ما جاءوا به من اللّه ، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [ يوسف : 109 ] وقوله وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [ الأنبياء : 8 ] الآية . وقوله تعالى :
--> ( 1 ) البيتان لعبد اللّه بن الزبعرى السهمي في ديوانه ص 36 ، والبيت الأول في لسان العرب ( بور ) ، وجمهرة اللغة ص 1020 ، والمخصص 3 / 48 ، 7 / 30 ، 311 ، 14 / 33 ، وتاج العروس ( ملك ) ، ومقاييس اللغة 1 / 316 ، وسمط اللآلي ص 388 ، والبيت لعبد اللّه بن رواحة في ديوانه ص 95 ، ولعبد اللّه بن رواحة أو لعبد اللّه بن الزبعرى في تاج العروس ( بور ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 330 ، وتهذيب اللغة 15 / 267