ابن كثير

92

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ أي اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض ، لنعلم من يطيع ممن يعصي ، ولهذا قال أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي بمن يستحق أن يوحى إليه ، كما قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] ومن يستحق أن يهديه اللّه لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك . وقال محمد بن إسحاق في قوله : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ قال : يقول اللّه : لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت ، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يقول اللّه تعالى إني مبتليك ومبتل بك » « 1 » وفي المسند عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لو شئت لأجرى اللّه معي جبال الذهب والفضة » وفي الصحيح أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا ، فاختار أن يكون عبدا رسولا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 21 إلى 24 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) يقول تعالى مخبرا عن تعنت الكفار في كفرهم ، وعنادهم في قولهم لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أي بالرسالة كما تنزل على الأنبياء ، كما أخبر اللّه عنهم في الآية الأخرى قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [ الأنعام : 124 ] ويحتمل أن يكون مرادهم هاهنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فنراهم عيانا فيخبرونا أن محمدا رسول اللّه ، كقولهم أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 92 ] وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان ، ولهذا قالوا : أَوْ نَرى رَبَّنا ولهذا قال اللّه تعالى : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً وقد قال تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى [ الأنعام : 111 ] الآية . وقوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً أي هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم ، بل يوم يرونهم لا بشرى يومئذ لهم ، وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار ، والغضب من الجبار ، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه ، أخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث ، أخرجي إلى سموم وحميم وظل من يحموم ، فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه ، كما قال اللّه تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [ الأنفال : 50 ] الآية ، وقال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أي بالضرب أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 63 .