ابن كثير
531
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بالآخر ، فتتولد النار من بينهما ، كالزناد سواء ، وروي هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وفي المثل : لكل شجر نار واستمجد المرخ والعفار . وقال الحكماء : في كل شجر نار إلا الغاب . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 81 إلى 83 ] أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) يقول تعالى مخبرا منبها على قدرته العظيمة في خلق السماوات السبع بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت والأرضين السبع ، وما فيه من جبال ورمال وبحار وقفار ، وما بين ذلك ، ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة ، كقوله تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] وقال عز وجل هاهنا : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي مثل البشر ، فيعيدهم كما بدأهم ، قاله ابن جرير . وهذه الآية الكريمة كقوله عز وجل : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأحقاف : 33 ] وقال تبارك وتعالى هاهنا بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي إنما يأمر بالشيء أمرا واحدا لا يحتاج إلى تكرار أو تأكيد : إذا ما أراد اللّه أمرا فإنما * يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا محمد بن نمير ، حدثنا موسى بن المسيب عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تعالى يقول : يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت ، فاستغفروني أغفر لكم ، وكلكم فقير إلا من أغنيت ، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء ، عطائي كلام وعذابي كلام ، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون » . وقوله تعالى : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السماوات والأرض ، وإليه يرجع الأمر كله ، وله الخلق والأمر وإليه يرجع العباد يوم المعاد ، فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل . ومعنى قوله سبحانه وتعالى : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [ المؤمنون : 88 ] كقوله عز وجل قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وكقوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [ الملك : 1 ] فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت ، ورهبة
--> ( 1 ) المسند 5 / 177 .