ابن كثير

49

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذا بظاهر هذا الأمر . وقال البخاري : وقال روح عن ابن جريج قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ، قال : ما أراه إلا واجبا . وقال عمرو بن دينار : قلت لعطاء : أتأثره عن أحد ؟ قال : لا ، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة ، وكان كثير المال فأبى ، فانطلق إلى عمر رضي اللّه عنه ، فقال : كاتبه ، فأبى فضربه بالدرة ، ويتلو عمر رضي اللّه عنه فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فكاتبه « 1 » هكذا ذكره البخاري تعليقا ، ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ؟ قال : ما أراه إلا واجبا . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك : أن سيرين أراد أن يكاتبه ، فتلكأ عليه فقال له عمر : لتكاتبنه ، إسناد صحيح . وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم بن جويبر عن الضحاك قال : هي عزمة ، وهذا القول القديم من قولي الشافعي ، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله عليه السلام « لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه » . وقال ابن وهب : قال مالك : الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده . قال مالك : وإنما ذلك أمر من اللّه تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب . وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية . وقوله تعالى : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال بعضهم : أمانة ، وقال بعضهم : صدقا ، وقال بعضهم : مالا ، وقال بعضهم : حيلة وكسبا . وروى أبو داود في المراسيل ، عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال « إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم كلا على الناس » ، وقوله تعالى : وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ اختلف المفسرون فيه ، فقال بعضهم : معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ، ثم قال بعضهم : مقدار الربع ، وقيل الثلث ، وقيل النصف ، وقيل جزء من الكتابة من غير حد . وقال آخرون : بل المراد من قوله وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ هو النصيب الذي فرض اللّه لهم من أموال الزكاة ، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان ، واختاره ابن جرير ، وقال إبراهيم النخعي في قوله وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال : حث الناس عليه مولاه وغيره ، وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي وقتادة ، وقال ابن عباس : أمر اللّه المؤمنين أن يعينوا في الرقاب . وقد تقدم في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المكاتب باب 1 . ( 2 ) تفسير الطبري 9 / 312 .