ابن كثير
488
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء هم ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر » « 1 » وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن قيس ، ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري ، وللّه الحمد والمنة . وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه تعالى يوم القيامة للعلماء : إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي » . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 33 إلى 35 ] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ( 35 ) يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة ، مأواهم جنات عدن ، أي جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على اللّه عز وجل يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنه قال « تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » « 2 » . وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا ، فأباحه اللّه تعالى لهم في الآخرة ، وثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة » « 3 » وقال « هي لهم في الدنيا ، ولكم في الآخرة » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن سواد السرحي ، أخبرنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : إن أبا أمامة رضي اللّه عنه حدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدثهم ، وذكر حلي أهل الجنة فقال « مسورون بالذهب والفضة مكللة بالدر ، وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة ، وعليهم تاج كتاج الملوك ، شباب جرد مرد مكحولون » وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ وهو الخوف من المحذور ، أزاحه عنا وأرحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في العلم باب 1 ، والترمذي في العلم باب 19 ، وابن ماجة في المقدمة باب 17 ، والدارمي في المقدمة باب 32 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 40 ، والنسائي في الطهارة باب 109 ، وأحمد في المسند 2 / 232 ، 371 . ( 3 ) أخرجه البخاري في اللباس باب 25 ، ومسلم في اللباس حديث 11 ، 12 .