ابن كثير
489
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عن أبيه عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم ولا في نشورهم ، وكأني بأهل لا إله إلا اللّه ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن » رواه ابن أبي حاتم من حديثه . وقال الطبراني : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا موسى بن يحيى المروزي ، حدثنا سليمان بن عبد اللّه بن وهب الكوفي عن عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور ، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره : غفر لهم الكثير من السيئات ، وشكر لهم اليسير من الحسنات الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ يقولون الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومنّه ورحمته ، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك ، كما ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه تعالى برحمة منه وفضل » « 1 » . لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أي لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء . والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب ، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم ، أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم ، واللّه أعلم ، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا ، فسقط عنهم التكليف بدخولها ، وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال اللّه تبارك وتعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [ الحاقة : 24 ] . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء ، شرع في بيان مآل الأشقياء ، فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا كما قال تعالى : لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * [ طه : 74 ] وثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « أما أهل النار الذين هم أهلها ، فلا يموتون فيها ولا يحيون » « 2 » وقال عز وجل : وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم ، ولكن لا سبيل إلى ذلك ، قال اللّه تعالى : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كما قال عز وجل :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 18 ، ومسلم في المنافقين حديث 71 - 73 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 306 ، وابن ماجة في الزهد باب 37 .