ابن كثير

487

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

تبارك وتعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قال : هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا ، وسابقنا أهل الجهاد ، رواه ابن أبي حاتم . وقال عوف الأعرابي : حدثنا عبد اللّه بن الحارث بن نوفل قال : حدثنا كعب الأحبار رحمة اللّه عليه ، قال : إن الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة ، ألم تر أن اللّه تعالى قال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها - إلى قوله عز وجل - وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ قال : فهؤلاء أهل النار ، رواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبد اللّه بن الحارث عن أبيه قال : إن ابن عباس رضي اللّه عنهما سأل كعبا عن قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا - إلى قوله : بِإِذْنِ اللَّهِ قال : تماست مناكبهم ورب كعب ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم . ثم قال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن حميد ، حدثنا الحكم بن بشير ، حدثنا عمرو بن قيس عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الآية ، قال أبو إسحاق : أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج ، ثم قال : حدثنا ابن حميد ، حدثنا الحكم ، حدثنا عمرو عن محمد ابن الحنفية رضي اللّه عنه قال : إنها أمة مرحومة ، الظالم مغفور له ، والمقتصد في الجنان عند اللّه ، والسابق بالخيرات في الدرجات عند اللّه . ورواه الثوري عن إسماعيل بن سميع عن رجل عن محمد ابن الحنفية رضي اللّه عنه بنحوه . وقال أبو الجارود : سألت محمد بن علي - يعني الباقر - رضي اللّه عنهما عن قول اللّه تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فقال : هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا . فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام . وإذا تقرر هذا ، فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة ، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة ، وأولى الناس بهذه الرحمة ، فإنهم كما قال الإمام أحمد « 2 » رحمه اللّه حدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير قال : قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي اللّه عنه وهو بدمشق ، فقال : ما أقدمك أي أخي ؟ قال : حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : أما قدمت لتجارة ؟ قال : لا ، قال : أما قدمت لحاجة ؟ قال : لا ، قال : أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث ؟ قال : نعم . قال رضي اللّه عنه : فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من سلك طريقا يطلب فيها علما ، سلك اللّه تعالى به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم

--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 411 . ( 2 ) المسند 5 / 196 .