ابن كثير

482

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي كذلك الحيوانات من الأناسي ، والدواب ، وهو كل ما دب على القوائم ، والأنعام ، من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضا ، فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض ، والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك ، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى : وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [ الروم : 22 ] وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان ، بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين . وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا الفضل بن سهل ، حدثنا عبد اللّه بن عمر بن أبان بن صالح ، حدثنا زياد بن عبد اللّه عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : أيصبغ ربك ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « نعم صبغا لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض » وروي مرسلا وموقوفا ، واللّه أعلم . ولهذا قال تعالى بعد هذا : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به ، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى ، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قال : الذين يعلمون أن اللّه على كل شيء قدير « 1 » وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال : العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا ، وأحل حلاله وحرم حرامه ، وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله . وقال سعيد بن جبير : الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية اللّه عز وجل . وقال الحسن البصري : العالم من خشي الرحمن بالغيب ، ورغب فيما رغب اللّه فيه ، وزهد فيما سخط اللّه فيه ، ثم تلا الحسن إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : ليس العلم عن كثرة الحديث ، ولكن العلم عن كثرة الخشية . وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال : إن العلم ليس بكثرة الرواية ، وإما العلم نور يجعله اللّه في القلب . قال أحمد بن صالح المصري : معناه أن الخشية ، لا تدرك بكثرة الرواية ، وإنما العلم الذي فرض اللّه عز وجل أن يتبع ، فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي اللّه عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، فهذا ، لا يدرك إلا بالرواية ، ويكون تأويل قوله : نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه . وقال سفيان الثوري عن

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 409 .