ابن كثير

372

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه يذكر الرجال ولا نذكر ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية . [ حديث آخر ] قال ابن جرير « 1 » : حدثنا أبو كريب قال : حدثنا سيار بن مظاهر العنزي ، حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال النساء للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات ؟ فأنزل للّه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية ، وحدثنا بشر حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد عن قتادة قال : دخل نساء على نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلن : قد ذكر كن اللّه تعالى في القرآن ولم نذكر بشيء أما فينا ما . يذكر ؟ فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ « 2 » الآية ، فقوله تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ دليل على أن الإيمان غير الإسلام ، وهو أخص منه لقوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] . وفي الصحيحين « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » « 3 » فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين ، فدل على أنه أخص منه كما قررناه أولا في شرح البخاري . وقوله تعالى : وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ القنوت هو الطاعة في سكون أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزمر : 9 ] وقال تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [ الروم : 26 ] يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ آل عمران : 43 ] وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها وهو الإيمان ، ثم القنوت ناشئ عنهما وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ هذا في الأقوال ، فإن الصدق خصلة محمودة ولهذا كان بعض الصحابة رضي اللّه عنهم لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، وهو علامة على الإيمان ، كما أن الكذب أمارة على النفاق ، ومن صدق نجا ، « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإياكم والكذب ، فإن . الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 4 » . والأحاديث فيه كثيرة جدا ، وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ هذه سجية الأثبات ، وهي الصبر على المصائب ، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة وتلقي ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى ، أي

--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 300 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 10 / 299 ، 300 . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب 3 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 69 ، ومسلم في البر حديث 103 ، 104 ، 105 .