ابن كثير
373
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أصعبه في أول وهلة ، ثم ما بعده أسهل منه وهو صدق السجية وثباتها وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ الخشوع : السكون والطمأنينة ، والتؤدة والوقار ، والتواضع ، والحامل عليه الخوف من اللّه تعالى ومراقبته ، كما في الحديث « اعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ الصدقة هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب يعطون من فضول الأموال طاعة للّه وإحسانا إلى خلقه . وقد ثبت في الصحيحين « سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله - فذكر منهم - ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » « 2 » وفي الحديث الآخر « والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار » « 3 » . والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا له موضع بذاته . وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة « والصوم زكاة البدن » « 4 » أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا ، كما قال سعيد بن جبير : من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى : وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » « 5 » ناسب أن يذكر بعده وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ أي عن المحارم والمآثم إلا عن المباح كما قال عز وجل : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * [ المؤمنون : 5 - 7 ] . وقوله تعالى : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد اللّه ، حدثنا محمد بن جابر عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم ، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كتبا تلك الليلة من الذاكرين اللّه كثيرا والذاكرات » « 6 » وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي اللّه عنهما
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 37 ، ومسلم في الإيمان حديث 1 ، 5 ، 7 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 36 ، ومسلم في الزكاة حديث 91 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الإيمان باب 8 ، والجمعة باب 79 ، وابن ماجة في الزهد باب 22 ، والفتن باب 12 ، وأحمد في المسند 3 / 321 ، 399 ، 5 / 231 . ( 4 ) لم أجد الحديث بهذا اللفظ في سنن ابن ماجة . ( 5 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 10 ، والنكاح باب 2 ، 3 ، ومسلم في النكاح حديث 1 ، والنسائي في الصيام باب 43 ، وابن ماجة في النكاح باب 1 . ( 6 ) أخرجه أبو داود في التطوع باب 18 ، وابن ماجة في الإقامة باب 175 .