ابن كثير
370
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه ، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة ، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط ، بل هم مع آله ، وهذا الاحتمال أرجح جمعا بينهما وبين الرواية التي قبلها ، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت ، فإن في بعض أسانيدها نظرا ، واللّه أعلم ، ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم داخلات في قوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فإن سياق الكلام معهن ، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ أي واعملن بما ينزل اللّه تبارك وتعالى على رسوله صلى اللّه عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنة ، قاله قتادة وغير واحد . واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس ، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس ، وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي اللّه عنهما أولاهن بهذه النعمة ، وأحظاهن بهذه الغنيمة ، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة ، فإنه لم ينزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها ، كما نص على ذلك صلوات اللّه وسلامه عليه . قال بعض العلماء رحمه اللّه : لأنه لم يتزوج بكرا سواها ، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه صلى اللّه عليه وسلم ورضي اللّه عنها ، فناسب أن تخصص بهذه المزية ، وأن تفرد بهذه المرتبة العليا ، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته ، فقرابته أحق بهذه التسمية ، كما تقدم في الحديث « وأهل بيتي أحق » . وهذا ما يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال : « هو مسجدي هذا » « 1 » فهذا من هذا القبيل ، فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر ، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولى بتسميته بذلك ، واللّه أعلم . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي جميلة قال : إن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما استخلف حين قتل علي رضي اللّه عنهما ، قال : فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره ، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد ، وحسن رضي اللّه عنه ساجد . قال : فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه ، فمرض منها أشهرا ثم برأ ، فقعد على المنبر فقال : يا أهل العراق اتقوا اللّه فينا ، فإنا أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذي قال اللّه تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً قال فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يحن بكاء . وقال السدي عن أبي الديلم قال : قال علي بن الحسين رضي اللّه عنهما لرجل من الشام :
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 514 .