ابن كثير
343
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ قال مجاهد : المبلغين المؤدين عن الرسل . وقوله تعالى : وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ أي من أممهم عَذاباً أَلِيماً أي موجعا فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء ، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين ، فما جاءت به الرسل هو الحق ، ومن خالفهم فهو على الضلال . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 9 إلى 10 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا ، وذلك عام الخندق ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور . وقال موسى بن عقبة وغيره : كان في سنة أربع ، وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بن النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى خيبر ، منهم سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع ، خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة ، فأجابوهم إلى ذلك ، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا . وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدها أبو سفيان صخر بن حرب ، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر ، والجميع قريب من عشرة آلاف ، فلما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمسيرهم ، أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق ، وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا ، ونقل معهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التراب وحفر ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات . وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد ، ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة ، كما قال اللّه تعالى : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من المسلمين وهم نحو ثلاثة آلاف ، وقيل سبعمائة ، فأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو ، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجال أن تصل إليهم ، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة ، وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي المدينة ، ولهم عهد من النبي صلى اللّه عليه وسلم وذمة وهم قريب من ثمانمائة مقاتل . فذهب إليهم حيي بن أخطب النضري ، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ومالؤوا الأحزاب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعظم الخطب واشتد الأمر وضاق الحال ، كما قال اللّه تبارك وتعالى : هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [ الأحزاب : 11 ] ومكثوا محاصرين للنبي صلى اللّه عليه وسلم