ابن كثير
344
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وأصحابه قريبا من شهر ، إلا أنهم لا يصلون إليهم ولم يقع بينهم قتال ، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية ، ركب ومعه فوارس ، فاقتحموا الخندق وخلصوا إلى ناحية المسلمين ، فندب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيل المسلمين إليه ، فيقال إنه لم يبرز أحد فأمر عليا رضي اللّه عنه فخرج إليه فتجاولا ساعة ثم قتله علي رضي اللّه عنه ، فكان علامة النصر . ثم أرسل اللّه عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء ، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار ، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين ، كما قال اللّه عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً قال مجاهد : وهي الصبا ، ويؤيده الحديث الآخر : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » « 1 » . وقال ابن جرير « 2 » : حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود عن عكرمة قال قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقي ننصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت الشمال : إن الحرة لا تسري بالليل ، قال : فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا . ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج ، عن حفص بن غياث ، عن داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، فذكره . وقال ابن جرير « 3 » أيضا : حدثنا يونس حدثنا ابن وهب ، حدثني عبيد اللّه بن عمر عن نافع عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال : أرسلني خالي عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة ، فقال : ائتنا بطعام ولحاف ، قال : فاستأذنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأذن لي وقال « من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا » قال : فذهبت والريح تسفي كل شيء ، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : فما يلوي أحد منهم عنق ، قال : وكان معي ترس لي ، فكانت الريح تضربه علي ، وكان فيه حديد ، قال : فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي فأبعدها إلى الأرض . وقوله وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف ، فكان رئيس كل قبيلة يقول : يا بني فلان إلي ، فيجتمعون إليه ، فيقول : النجاء ، النجاء لما ألقى اللّه عز وجل في قلوبهم من الرعب . وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب 26 ، والمغازي باب 29 ، وبدء الخلق باب 5 ، والأنبياء باب 1 ، ومسلم في الاستسقاء حديث 17 ، وأحمد في المسند 1 / 223 ، 228 ، 324 ، 341 ، 355 ، 373 . ( 2 ) تفسير الطبري 10 / 263 . ( 3 ) تفسير الطبري 10 / 263 .