ابن كثير
342
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 ) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) يقول اللّه تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين اللّه تعالى ، وإبلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق ، كما قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آل عمران : 81 ] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم ، وكذلك هذا ، ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم ، وهو من باب عطف الخاص على العام . وقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية ، وفي قوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا [ الشورى : 13 ] فذكر الطرفين ، والوسط الفاتح ، والخاتم ، ومن بينهما على الترتيب ، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها ، كما قال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات اللّه عليه ، ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات اللّه عليهم . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا محمد بن بكار ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الآية . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم » سعيد بن بشير فيه ضعف ، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا وهو أشبه ، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا : واللّه علم . وقال أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو أحمد حدثنا حمزة الزيات ، حدثنا عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : خيار ولد آدم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، وخيرهم محمد صلى اللّه عليه وسلم . موقوف وحمزة فيه ضعف ، وقد قيل إن المراد بهذا الميثاق الذي أحذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم عليه الصلاة والسلام ، كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : ورفع أباهم آدم ، فنظر إليهم يعني ذريته ، وأن فهيم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك ، فقال : رب لو سويت بين عبادك ، فقال : إني أحببت أن أشكر ، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، وهو الذي يقول اللّه تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وهذا قول مجاهد أيضا ، وقال ابن عباس : الميثاق الغليظ العهد .