ابن كثير

341

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم . وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن ، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي رضي اللّه عنه ، حكاه البغوي وغيره ، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود رحمه اللّه : حدثنا عبد اللّه بن محمد النفيلي ، حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ، ولا يستطب بيمينه » . وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة « 1 » . وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث ابن عجلان ، والوجه الثاني أنه لا يقال ذلك ، واحتجوا بقوله تعالى : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ . وقوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكم اللّه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار ، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم ، كما قال ابن عباس وغيره : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره من السلف والخلف . وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام فقال : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام رضي اللّه عنه قال : أنزل اللّه عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم ووارثناهم ، فآخى أبو بكر رضي اللّه عنه خارجة بن زيد ، وآخى عمر رضي اللّه عنه فلانا ، وآخى عثمان رضي اللّه عنه رجلا من بني زريق بن سعد الزرقي ، ويقول بعض الناس غيره ، قال الزبير رضي اللّه عنه : وواخيت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته ، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى ، واللّه يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل اللّه تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا . وقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً أي ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية . وقوله تعالى : كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً أي هذا الحكم ، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ، حكم من اللّه مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغير ، قاله مجاهد وغير واحد ، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطهارة باب 41 ، والنسائي في الطهارة باب 35 ، وابن ماجة في الطهارة باب 16 ، والدارمي في الطهارة باب 14 ، وأحمد في المسند 2 / 247 ، 250 .