ابن كثير
339
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع ، فإن اللّه تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه ، كما أرشد إليه في قوله تبارك وتعالى آمرا عباده أن يقولوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] وثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « قال اللّه عز وجل : قد فعلت » « 1 » . وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر » « 2 » . وفي حديث آخر « إن اللّه تبارك وتعالى رفع عن أمتي الخطأ . والنسيان وما يكرهون عليه » « 3 » وقال تبارك وتعالى هاهنا وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي وإنما الإثم على من تعمد الباطل ، كما قال عز وجل لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ * الآية . وفي الحديث المتقدم « ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر » . وفي القرآن المنسوخ : فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . قال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد اللّه بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس عن عمر رضي اللّه عنهم أنه قال : إن اللّه تعالى بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالحق ، وأنزل معه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فرجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورجمنا بعده ، ثم قال قد كنا نقرأ ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فإنما أنا عبد اللّه ، فقولوا عبده ورسوله » وربما قال معمر « كما أطرت النصارى ابن مريم » ورواه في الحديث الآخر « ثلاث في الناس كفر : الطعن في النسب ، والنياحة على الميت ، والاستسقاء بالنجوم » « 5 » . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 6 ] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 ) قد علم اللّه تعالى شفقة رسوله على أمته ونصحة لهم ، فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم كان مقدما على اختيارهم لأنفسهم ، كما قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] وفي الصحيح « والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 199 ، 200 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 20 . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في الطلاق باب 16 . ( 4 ) المسند 1 / 47 . ( 5 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 29 ، وأحمد في المسند 5 / 342 ، 343 ، 344 .