ابن كثير

30

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية ، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان : أصحهما أنهن كهي ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الآية ، كقوله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] الآية . وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي اللّه عنها ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبد اللّه بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ قال : نزلت في عائشة خاصة ، وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان ، وقد ذكره ابن جرير « 1 » عن عائشة فقال : حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال : قالت عائشة : رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك ، قالت : فبينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس عندي إذ أوحي إليه ، قالت : وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات ، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي ، ثم استوى جالسا يمسح وجهه ، وقال « يا عائشة أبشري » قالت : فقلت بحمد اللّه لا بحمدك ، فقرأ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ - حتى قرأ - أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها ، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها ، وإن كان الحكم يعمها كغيرها ، ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله ، واللّه أعلم . وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط : المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء . وقال العوفي عن ابن عباس في الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ الآية ، يعني أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم رماهن أهل النفاق ، فأوجب اللّه لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من اللّه فكان ذلك في أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم نزل بعد ذلك وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ - إلى قوله - فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل اللّه الجلد والتوبة ، فالتوبة تقبل والشهادة ترد « 2 » . وقال ابن جرير « 3 » : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا هشيم ، أخبرنا العوام بن حوشب عن شيخ من بني أسد عن ابن عباس قال : فسر سورة النور ، فلما أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ الآية ، قال : في شأن عائشة وأزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي مبهمة وليست لهم توبة ، ثم قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ - إلى قوله - إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا الآية ، قال : فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة ، قال : فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن

--> ( 1 ) تفسير الطبري 9 / 290 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 9 / 291 . ( 3 ) تفسير الطبري 8 / 291 .