ابن كثير
264
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
المدينة ، حدثنا عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سافروا تصحوا وتغنموا » قال : ورويناه عن ابن عباس . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا قتيبة ، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « سافروا تربحوا وصوموا تصحوا ، واغزوا تغنموا » وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعا ، وعن معاذ بن جبل موقوفا ، وفي لفظ « سافروا مع ذوي الجد والميسرة » قال : ورويناه عن ابن عباس : وقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي السميع لأقوال عباده العليم بحركاتهم وسكناتهم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 61 إلى 63 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 ) يقول تعالى مقررا أنه لا إله إلا هو ، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السماوات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار ، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم ، واختلافها واختلاف أرزاقهم ، فتفاوت بينهم ، فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلا منهم ، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر ، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها ، فإذا كان الأمر كذلك ، فلم يعبد غيره ؟ ولم يتوكل على غيره ؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته ، وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية . وقد كان المشركون يعترفون بذلك ، كما كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 64 إلى 66 ] وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها ، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ أي الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء ، بل هي مستمرة أبد الآباد . وقوله تعالى : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لآثروا ما يبقى على ما يفنى ، ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له ، فهلا يكون هذا منهم دائما فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كقوله تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [ الإسراء : 67 ] الآية ،
--> ( 1 ) المسند 2 / 380 ، ولفظه : « سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا » .