ابن كثير

265

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال هاهنا : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ . وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبي جهل ، أنه لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ذهب فارا منها ، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة ، فقال أهلها : يا قوم أخلصوا لربهم الدعاء ، لا ينجي فإنه هاهنا إلا هو ، فقال عكرمة : واللّه لئن كان لا ينجي في البحر غيره ، فإنه . لا ينجي في البر أيضا غيره ، اللهم لك علي عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد ، فلأجدنه رؤوفا رحيما ، فكان كذلك ، وقوله تعالى : لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة ، لأنهم لا يقصدون ذلك ، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم ، وأما بالنسبة إلى تقدير اللّه عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل ، وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 67 إلى 69 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) يقول تعالى ممتنا على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد ، ومن دخله كان آمنا فهم في أمن عظيم ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا ، ويقتل بعضهم بعضا ، كما قال تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش : 1 - 4 ] وقوله تعالى : أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد و بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ وكفروا بنبي اللّه وعبده ورسوله ، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة للّه ، وأن لا يشركوا به ، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره ، فكذبوه وقاتلوه ، وأخرجوه من بين ظهرهم ، ولهذا سلبهم اللّه تعالى ما كان أنعم به عليهم ، وقتل من قتل منهم ببدر ، ثم صارت الدولة للّه ولرسوله وللمؤمنين ، ففتح اللّه على رسوله مكة ، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم . ثم قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أي لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على اللّه ، فقال : إن اللّه أوحى إليه ولم يوح إليه شيء . ومن قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه ، وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه ، فالأول مفتر والثاني مكذب ، ولهذا قال تعالى : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ثم قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي لنبصرنهم سبلنا ، أي طرقنا في الدنيا والآخرة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، أخبرنا عباس الهمداني أبو