ابن كثير
232
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ ، أي ليس المال بدال على رضا اللّه عن صاحبه ، فإن اللّه يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة ، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود « إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم ، وإن اللّه يعطي المال من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب » « 1 » . لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا أي لولا لطف اللّه بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ يعنون أنه كان كافرا ، ولا يفلح الكافرون عند اللّه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد اختلف النحاة في معنى قوله هاهنا ويكأن ، فقال بعضهم : معناه ويلك اعلم أن ، ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم ، وهذا القول ضعفه ابن جرير ، والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن ، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي ، والمرجع إلى اللفظ العربي ، واللّه أعلم ، وقيل معناها ويكأن أي ألم تر أن ، قاله قتادة . وقيل معناها وي كأن ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه ، وكأن بمعنى أظن وأحتسب . قال ابن جرير « 2 » : وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنها بمعنى ألم تر أن ، واستشهد بقول الشاعر [ الخفيف ] : سألتاني الطلاق إذ رأتاني * قلّ مالي قد جئتماني بنكر « 3 » ويكأن من يكن له نشب يحبب * ومن يفتقر يعش عيش ضر [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 83 إلى 84 ] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوا في الأرض أي ترفعا على خلق اللّه وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ولا فسادا فيهم ، كما قال عكرمة العلو : التجبر . وقال سعيد بن جبير : العلو البغي . وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين : العلو في الأرض التكبر
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 387 . ( 2 ) تفسير الطبري 10 / 113 . ( 3 ) البيت الأول لزيد بن عمرو بن نفيل في الكتاب 2 / 155 ، 3 / 555 ، وله أو لسعيد ابنه أو لنبيه بن الحجاج في خزانة الأدب 6 / 410 ، 412 ، أو لنبيه بن الحجاج في شرح أبيات سيبويه 2 / 11 ، وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 3 / 48 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 176 ، والبيت الثاني لزيد بن عمرو بن نفيل في خزانة الأدب 6 / 404 ، 408 ، 410 ، والدرر 5 / 305 ، وذيل سمط اللآلي ص 103 ، والكتاب 2 / 155 ، ولنبيه بن الحجاج في الأغاني 17 / 205 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 11 ، ولسان العرب ( وا ) ، ( ويا ) ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 353 ، والخصائص 3 / 41 ، 169 ، وشرح الأشموني 2 / 486 ، وشرح المفصل 4 / 76 ، ومجالس ثعلب 1 / 389 ، والمحتسب 2 / 155 ، وهمع الهوامع 2 / 106 .