ابن كثير

233

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بغير حق ، والفساد أخذ المال بغير حق . وقال ابن جريج لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ تعظما وتجبرا وَلا فَساداً عملا بالمعاصي . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبي سلام الأعرج عن علي قال : إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه ، فيدخل في قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره ، فإن ذلك مذموم ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنه أوحي إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد » « 2 » وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل ، فهذا لا بأس به ، فقد ثبت أن رجلا قال : يا رسول اللّه إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة ، أفمن الكبر ذلك ؟ فقال : « لا ، إن اللّه جميل يحب الجمال » « 3 » . وقال تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي يوم القيامة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي ثواب اللّه خير من حسنة العبد ، فكيف واللّه يضاعفه أضعافا كثيرة ، وهذا مقام الفضل ثم قال : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ كما قال في الآية الأخرى : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهذا مقام الفضل والعدل . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 85 إلى 88 ] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) يقول تعالى آمرا رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس ، ومخبرا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة ، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة ، ولهذا قال تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي افترض عليك أداءه إلى الناس لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك ، كما قال تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] وقال تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] وقال : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ [ الزمر : 69 ] .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 115 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 64 ، وأبو داود في الأدب باب 40 ، وابن ماجة في الزهد باب 16 ، 23 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 147 ، وابن ماجة في الدعاء باب 10 ، وأحمد في المسند 4 / 133 ، 134 ، 151 .