ابن كثير
163
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة به . وقوله تعالى : وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الذي يفعل ما يشاء ، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته ، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته ، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات ، ولا تكتنفه الأرض والسماوات ، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات . وقوله تعالى : يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه اللّه العزيز الذي عز كل شيء وقهره وغلبه ، الحكيم في أقواله وأفعاله ، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء ، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك ، ولهذا قال تعالى : فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطرابا . وفي الحديث نهي عن قتل جنان البيوت « 1 » ، فلما عاين موسى ذلك وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يلتفت من شدة فرقه « 2 » يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي لا تخف مما ترى ، فإني أريد أن أصطفيك رسولا وأجعلك نبيا وجيها . وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر ، وذلك أن من كان على عمل سيئ ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب ، فإن اللّه يتوب عليه ، كما قال تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 102 ] وقال تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : 110 ] الآية ، والآيات في هذا كثيرة جدا . وقوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة اللّه الفاعل المختار ، وصدق من جعل له معجزة ، وذلك أن اللّه تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه ، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف . وقوله تعالى : فِي تِسْعِ آياتٍ أي هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ وهذه هي الآيات التسع التي قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [ الإسراء : 101 ] كما تقدم تقرير ذلك هنالك . وقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً أي بينة واضحة ظاهرة قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وأرادوا معارضته بسحرهم ، فغلبوا وانقلبوا صاغرين وَجَحَدُوا بِها في ظاهر أمرهم وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
--> ( 1 ) لفظ الحديث : « لا تقتلوا الجنّان إلا كل أبتر ذي طفيتين » . أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 15 ، والمغازي باب 12 ، ومسلم في السلام حديث 131 ، 134 ، 136 ، وأبو داود في الأدب باب 162 ، والنسائي في الحج باب 87 ، ومالك في الاستئذان حديث 31 ، 32 ، وأحمد في المسند 2 / 146 ، 3 / 430 ، 6 / 83 . والجنان ، بكسر الجيم : جمع جان ، وهي الحية الصغيرة . ( 2 ) من شدة فرقه : أي من شدة خوفه .