ابن كثير

164

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند اللّه ، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها . ظُلْماً وَعُلُوًّا أي ظلما من أنفسهم سجية ملعونة ، وعلوا أي استكبارا من اتباع الحق ، ولهذا قال تعالى : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك اللّه إياهم ، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة ، وفحوى الخطاب يقول : احذروا أيها المكذبون لمحمد ، الجاحدون لما جاء به من ربه ، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى ، فإن محمدا صلى اللّه عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى ، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى بما آتاه اللّه من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله ، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به ، وأخذ المواثيق له ، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 15 إلى 19 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه : داود وابنه سليمان عليهما السلام ، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة ، والصفات الجميلة ، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة ، والملك والتمكين التام في الدنيا ، والنبوة والرسالة في الدين ، ولهذا قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن أبي حاتم : ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام ، أخبرني أبي عن جدي قال : كتب عمر بن عبد العزيز : إن اللّه لم ينعم على عبده نعمة فيحمد اللّه عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته ، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب اللّه المنزل . قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان عليهما السلام . وقوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي في الملك والنبوة ، وليس المراد وراثة المال ، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود ، فإنه قد كان لداود مائة امرأة ، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة ، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة » « 1 » وقال :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الفرائض باب 3 ، والاعتصام باب 5 ، ومسلم في الجهاد حديث 49 ، 52 ، 54 ، 56 ، وأحمد في المسند 1 / 4 ، 6 ، 9 ، 10 ، 25 ، 47 ، 48 ، 49 ، 60 ، 162 ، 164 ، 179 ، 191 ، 208 ، 2 / 463 ، 6 / 145 ، 262 .