ابن كثير

162

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 7 إلى 14 ] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) يقول تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم مذكرا له ما كان من أمر موسى عليه السلام ، كيف اصطفاه اللّه وكلمه وناجاه أعطاه من الآيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة ، وابتعثه إلى فرعون وملئه ، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له ، فقال تعالى : إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ أي اذكر حين سار موسى بأهله فأضل الطريق ، وذلك في ليل وظلام ، فآنس من جانب الطور نارا ، أي رأى نارا تتأجج وتضطرم ، فقال لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي عن الطريق . أَوْ آتِيكُمْ منها بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون به وكان كما قال . فإنه رجع منها بخبر عظيم ، واقتبس منها نورا عظيما ، ولهذا قال تعالى : فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها أي فلما أتاها ورأى منظرا هائلا عظيما حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا توقدا ، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة ، ثم رفع رأسه ، فإذا نورها متصل بعنان السماء . قال ابن عباس وغيره : لم تكن نارا ، وإنما كانت نورا يتوهج ، وفي رواية عن ابن عباس : نور رب العالمين ، فوقف موسى متعجبا مما رأى ف نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ . قال ابن عباس : تقدس وَمَنْ حَوْلَها أي من الملائكة ، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود هو الطيالسي ، حدثنا شعبة والمسعودي عن عمرو بن مرة ، سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل » ، زاد المسعودي « وحجابه النور أو النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره » « 1 » . ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 293 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، وأحمد في المسند 4 / 401 ، 405 .