ابن كثير
161
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تفسير سورة النمل وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 1 إلى 6 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ ( 1 ) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 3 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 5 ) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور . وقوله تعالى : تِلْكَ آياتُ أي هذه آيات الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ أي بين واضح هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه ، وعمل بما فيه ، وأقام الصلاة المكتوبة ، وآتى الزكاة المفروضة ، وأيقن بالدار الآخرة ، والبعث بعد الموت ، والجزاء على الأعمال : خيرها وشرها ، والجنة والنار ، كما قال تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ [ فصلت : 44 ] الآية . وقال تعالى : لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [ مريم : 97 ] . ولهذا قال تعالى هاهنا : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي يكذبون بها ويستبعدون وقوعها زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أي حسنا لهم ما هم فيه ، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم ، وكان هذا جزاء على ما كذبوا من الدار الآخرة ، كما قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 110 ] الآية . أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ أي في الدنيا والآخرة وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أي ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر . وقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي وَإِنَّكَ يا محمد قال قتادة : لَتُلَقَّى أي لتأخذ الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي من عند حكيم عليم ، أي حكيم في أمره ونهيه ، عليم بالأمور : جليلها وحقيرها ، فخبره هو الصدق المحض ، وحكمه هو العدل التام ، كما قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] .