ابن كثير
159
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه قد علم اللّه أني منهم ، فأنزل اللّه تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الآية . وهكذا قال ابن عباس وعكرمة مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد : أن هذا استثناء مما تقدم . ولا شك أنه استثناء ، ولكن هذه السورة مكية ، فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار ؟ وفي ذلك نظر ، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها ، واللّه أعلم ، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبسا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله ، ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحا ، وذكر اللّه كثيرا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ . فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه ، كما قال عبد اللّه بن الزبعرى حين أسلم [ الخفيف ] : يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور « 1 » إذ أجاري الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مثبور وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو ابن عمه وأكثرهم له هجوا ، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يمدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد ما كان يهجوه ، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه ، وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال : يا رسول اللّه ثلاث أعطنيهن ، قال « نعم » قال : معاوية تجعله كاتبا بين يديك ؟ قال « نعم » قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين ؟ قال « نعم » وذكر الثالثة « 2 » ، ولهذا قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً قيل : معناه ذكروا اللّه كثيرا في كلامهم ، وقيل في شعرهم . وكلاهما صحيح مكفر لما سبق . وقوله تعالى : وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا قال ابن عباس : يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين ، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد ، وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لحسان : « اهجهم - أو قال - هاجهم وجبريل معك » « 3 » . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل ، فقال « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده ، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل » .
--> ( 1 ) تقدم البيتان مع تخريجهما في تفسير الآية 19 ، من سورة الفرقان . ( 2 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 168 . ( 3 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 6 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 153 ، وأحمد في المسند 4 / 286 ، 298 ، 299 ، 301 ، 302 ، 303 . ( 4 ) المسند 6 / 387 .