ابن كثير
108
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي طريقا ومسلكا ومنهجا يقتدي فيها بما جئت به . ثم قال تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ أي في أمورك كلها كن متوكلا على اللّه الحي الذي . لا يموت أبدا ، الذي هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الحديد : 3 ] الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه اجعله ذخرك وملجأك ، وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه ، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] . وروى ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن علي بن نفيل قال : قرأت على معقل يعني ابن عبيد اللّه ، عن عبد اللّه بن أبي حسين عن شهر بن حوشب قال : لقي سلمان النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض فجاج المدينة فسجد له ، فقال « لا تسجد لي يا سلمان ، واسجد للحي الذي لا يموت » وهذا مرسل حسن . وقوله تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي اقرن بين حمده وتسبيحه ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك » أي أخلص له العبادة والتوكل ، كما قال تعالى : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] وقال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 23 ] وقال تعالى : قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا [ الملك : 29 ] . وقوله تعالى : وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أي بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة . وقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية ، أي هو الحي الذي لا يموت ، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه ، الذي خلق بقدرته السماوات السبع في ارتفاعها واتساعها ، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي يدبر الأمر ، ويقضي الحق ، وهو خير الفاصلين . وقوله ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً أي استعلم عنه من هو خبير به عالم به ، فاتبعه واقتد به ، وقد علم أنه لا أحد أعلم باللّه ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه ، سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، فما قاله فهو الحق ، وما أخبر به فهو الصدق ، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب رد نزاعهم إليه ، فما وافق أقواله وأفعاله فهو الحق ، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان ، قال اللّه تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ [ النساء : 59 ] الآية ، وقال تعالى : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ الشورى : 10 ] وقال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي ، ولهذا قال تعالى : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً .