ابن كثير
92
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إلا الشام ، فلما بلغ تبوك أنزل اللّه عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها - إلى قوله - تَحْوِيلًا فأمره اللّه بالرجوع إلى المدينة ، وقال : فيها محياك ومماتك ومنه تبعث . وفي هذا الإسناد نظر ، والأظهر أن هذا ليس بصحيح ، فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود ، وإنما غزاها امتثالا لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [ التوبة : 123 ] ولقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه ، واللّه أعلم . ولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان ، عن سليم بن عامر عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة : مكة ، والمدينة ، والشام » قال الوليد : يعني بيت المقدس ، وتفسير الشام بتبوك أحسن ، مما قال الوليد إنه بيت المقدس ، واللّه أعلم . وقيل نزلت في كفار قريش ، هموا بإخراج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من بين أظهرهم ، فتوعدهم اللّه بهذه الآية ، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا ، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف ، حتى جمعهم اللّه وإياه ببدر على غير ميعاد ، فأمكنه منهم وسلطة عليهم وأظفره بهم ، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم ، ولهذا قال تعالى : سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا الآية ، أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب ، ولولا أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به ، ولهذا قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] الآية . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 78 إلى 79 ] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ( 79 ) يقول تبارك وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم آمرا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ قيل لغروبها ، قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد . وقال هشيم عن مغيرة ، عن الشعبي عن ابن عباس : دلوكها زوالها ، ورواه نافع عن ابن عمر ، ورواه مالك في تفسيره عن الزهري عن ابن عمر ، وقاله أبو برزة الأسلمي وهو رواية أيضا عن ابن مسعود ومجاهد ، وبه قال الحسن والضحاك وأبو جعفر الباقر وقتادة ، واختاره ابن جرير ، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد عن الحكم بن بشير : حدثنا عمرو بن قيس عن ابن أبي ليلى عن رجل عن جابر بن عبد اللّه قال : دعوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس ، فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « اخرج يا أبا بكر ، فهذا حين دلكت